الخميس، 25 ديسمبر 2014

بولس الرسول .. مؤسس المسيحية : الشخصية

ليس من الصعب ـ على الإطلاق ـ البرهنة العلمية على وثنية وخرافة الديانتين اليهودية والمسيحية ، ولكن الصعب ـ كل الصعب ـ أن نجعلشعوب هاتين الديانتين تنصت إلينا كناتج طبيعي من غسيل المخ الذي يجريه رجال الدين على الأتباع منذ طفولتهم


*******

بولس الرسول .. مؤسس المسيحية (1)
الجزء الأول : الشخصية
المسحاء [1] .. والأنبياء الكذبة
دكتور مهندس / محمد الحسيني إسماعيل

حول المزيد من ترهيب الفرد المسيحي من الفكر الإسلامي .. يقول الدكتور القس إكرام لمعي [2] ( رئيس المجمع الأعلى للكنيسة الإنجيلية بمصر .. ومدير كلية اللاهوت الإنجيلية بالقاهرة سابقا ) ..
[ .. في مقابل الكنيسة يقف إبليس جامعا كل أعوانه وقواه بهدف إضلال البشر ، ويعتمد في تضليله على الأنبياء الكذبة : ” فيضل الساكنين على الأرض بالآيات التي أعطى أن يضعها أمام الوحش ” ( رؤيا 13 : 14 ) . وأيضا سيقوم مسحاء كذبة وأنبياء كذبة .. وبهذا يمكننا القول بأن المعركة ستكون في مجال الفكر ، وذلك بقيام دعوة إضلال يحاول إبليس من خلالها إضلال الأمم ]
( انتهى )
فكما نرى من هذا الخطاب ؛ أن إبليس سوف يعتمد على المسحاء والأنبياء الكذبة في إضلال العالم المسيحي . فإذا أضفنا إلى هذا الفكر .. أن المسيحية لا تعترف بمحمد ( صلى الله عليه وسلم) رسولا أو نبيـا .. فيكون معنى هذا أن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) يندرج ضمن قائمة الأنبياء الكذبة ..!!! ومن جانب آخر ؛ إذا صرح الدكتور القس ـ إكرام لمعي ـ وقال : أن المعركة سوف تكون ” معركة فكرية “ أيضا .. فإن معني هذا : أن سلسلة كتب الكاتب ـ وكذا القرآن المجيد ـ سوف تندرج جميعا ضمن دعاوى الشيطان الفكرية لإضلال العالم المسيحي ..!!!

وعندما سألت الدكتور إكرام لمعي .. صراحة : هل محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ـ من منظور الكنائس المختلفة ـ يصنف من ضمن الأنبياء الكذبة ..؟!!! أطرق قليلا ثم أجاب إن بعض الكنائس تعتبره هكـذا .. وخصوصا الكنائس الأمريكية .
فقلت له ربما لهم بعض العذر لأنهم لا يتكلمون العربية ولا يفهمون معاني القرآن .. فما موقفكم أنتم .. وأنتم تتكلمون العربية .. وأقدر على فهم الدين الإسلامي منهم ..؟!!! ( صيغة الجمع التي أتبناها معه في الحوار .. لا أقصد بها سوى أنه يتكلم بالنيابة عن شعب الكنيسة الإنجيلية بحكم منصبه ) فكان جوابه .. بأنه يمكن اعتبار ” محمد ” نبي خاص بقوم معينين .. أي نبي خاص بقبيلة : ” قريش ” أو العرب ..!!!
وبغض النظر عن عالمية الدين الإسلامي ومحلية الدين المسيحي ( بمعنى قصر رسالة السيد المسيح على اليهود فقط ) .. فإن مثل هذا الرد هو رد دبلوماسي .. وليس ردا دينيا يعبر عن حقيقة فكر الكنيسة .. تجاه محمد ( صلى الله عليه وسلم) . فكيف يكون الرسول محمد ( صلى الله عليه وسلم ) مُرْسلا من قِبَل ” المسيح الإله ” أو من قِبَل الثالوث القدوس : الآب والابن والروح القدس .. إلى العرب .. ولا يقول بهذه المعاني لهم ..!!! بل ويحكم بكفر كل من يقول بهذا الثالوث القدوس .. إلا إذا كان محمد مُرْسلا من قِبَل إله آخر غير إله المسيحية ..!!! ولما كانت الكنيسة لا تعترف بوجود إله آخر غير المسيح الإله .. فلابد وأن تدرج محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) ضمن قائمة الأنبياء الكذبة ..!!!
وفلسفة الدكتور القس إكرام لمعي في الخطاب الديني المسيحي .. تعتمد أساسا ـ كما سبق وأن بينت في كتابات سابقة ـ على جهل السامع المسيحي أو المتلقي أو المستمع بصفة عامة . فهو الذي يقول [3] : أن الخطيب هو قوام التعليم الديني المسيحي .. والمستمع هو النتيجة .. وأن الخطيب يسلب المستمع حقه الإنساني في أن يقدم رأيه وفكره .. كما يفقده القدرة على الحوار . ولهذا يخاف الخطيب على المستمع من الحرية الفكرية كما يرى أن الوعي الناقد يزلزل الأتباع . ولهذا يصف السلطة الأبوية والتكنيك الخطابي المسيحي بصفات كثيرة نذكر منها الصفات التالية :
  • الخطيب يعرف كل شيء والمستمع لا يعرف .
  • الخطيب يفكر والمستمع لا يفكر .
  • الخطيب يختار ويفرض اختياره والمستمع يذعن .
  • الخطيب يتصرف والمستمع يعيش في وهم التصرف من خلال عمل الخطيب .
وبهذه المعاني ؛ يرى الدكتور القس إكرام لمعي .. أن الخطيب ـ في الفكر المسيحي ـ هو الذي يملك زمام الأمور .. وهو المهيمن الذي يسيطر على فكر المتلقي أو الفرد المسيحي وبالتالي يملك الخطيب المسيحي القدرة على القيام بعمليات غسيل المخ المنظمة للفرد المسيحي حيث يضع أو يبث في عقل الفرد المسيحي ما يشاء من أفكار هو يرغبها .. ومن ضمنها الترهيب من الفكر الإسلامي .. والإيمان بالعقيدة الألفية السعيدة .. ومقدمتها الضرورية الخاصة بإبادة شعوب العالم الإسلامي .. ومحو الإسلام من الوجود .
والمعروف أن المسيحية بشكلها الحالي قد شكلتها قرارات المجامع الكنسية ـ على طول تاريخ الكنيسة ـ مستندة في ذلك إلى رسائل بولس الرسول فقط ..ولهذا يطلق عليها عادة : “مسيحية بولس” وليست : ” مسيحية المسيح “ [4] . ولهذا يحذر السيد المسيح قومه من الأنبياء الكذبة التي سوف تأتي من بعده ليحرفوا رسالته فيقول لهم ..
[ (15) احترزوا من الأنبيـاء الكذبـة الذين يأتونكم بثياب الحملان ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة (16) من ثمارهم تعرفونهم . هل يجتنون من الشوك عنبا أو من الحسك تينا (17) هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارا جيدة . وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارا رديّة ] [5]
( الكتاب المقدس : إنجيل متى : {7} : 15 – 16 )

وربما لا ينطبق هذا التحذير بمعناه الحرفي على أحد .. بقدر ما ينطبق على بولس ( الرسول ) نفسه .. كما سنرى ذلك في الفقرات التالية ..

شاول ( الحاخام اليهودي ) .. أو بولس الرسول ..
بولس الرسول ( 3 م. ـ 62 م. ) : واسمه العبري ” شاول “ .. كان مواطنا رومانيا يهوديا .. ولد في العام الثالث بعد الميلاد في مدينة : ” طرسوس [6]Tarsus ” .. بجنوب تركيا من أبوين يهوديين من نسل إبراهيم . وكان أبوه فريسيا من سبط بنيامين ابن يعقوب ( أي إسرائيل ) ( رومية 11 : 1 ) . وكان بولس لا يؤمن بألوهية المسيح . كما كان لا يرى في أتباع المسيح سوى خطرا دينيا وسياسيا على الدولة . لذا قام باضطهادهم بقسوة بالغة وطاردهم داخل وخارج أورشليم ( القدس ) .
وفي طريق رحلته من أورشليم إلى دمشق .. للقبض على المسيحيين الفارين من أورشليم قال : بأن المسيح قد تراءى له وقاده إلى الإيمان بـه ( سفر أعمال الرسل 22 : 1 – 11 ) ومنذ ذلك التاريخ عمل بولس في نشر الديانة المسيحية .. حيث كتب أربعة عشر رسالة ( هذا بفرض أنه كاتب الرسالـة إلى العبرانيين ) .. والتي تم ضمها جميعا إلى الكتاب المقدس .. واتخذت أساسا فيما بعد ـ من خلال قرارات المجامع الكنسية المسكونية ـ لتشكيل الديانة المسيحية بشكلها الحالي .. والتي وصلت إلى حد نسبة الديانة المسيحية نفسها إلى بولس .. ولهذا أطلق عليها لقب ” مسيحية بولس ” .
وتنقل بولس في أثناء تبشيره بالديانة المسيحية .. إلى عدة دول ( منها : قبرص ، إنطاكية ، أورشليم ، سوريا ، روما ) إلى أن قتل في روما في : 22 فبراير عام 62 م. [عن : موسوعة الإنكارتا ] . ويوجـد رأي آخر يقول بأنه استشهد في حريق روما أيام نيرون في يوليو 64 م. [ عن : قاموس الكتاب المقدس .كما قال القاموس ـ أيضا ـ بالرأي السابق التي قالت به الموسوعة ] .
وكانت مدينة ” طرسوس ” التي نشأ فيها بولس مركزا هاما للعلم و ” للفلسفة الرواقية : Stoicism “ .. التي ركزت تعاليمها على الأخلاق كما نادت بوحدة الوجود . وقد ظهر تأثير هذه الفلسفة في كثير من تعبيرات بولس عن المبادئ المسيحية .. كما قال بهذا قاموس الكتاب المقدس ( ص : 196 ) . وهو ما يعني أن بولس كان ذا خلفية ثقافية ملمة بالفلسفة اليونانية إلى جانب إلمامه بالثقافة اليهودية ( العهد القديم ) .. بحكم كونه يهوديا .
ونبدأ بتقديم بولس Paul ) لنفسه في رسالته إلى أهل رومية ( أي إلى أهل روما ) .. فنجده يقول ..
[ (1) بولس عبد ليسوع المسيح المدعو رسولا ( apostle ) المُفْرَزِ ( separated ) لإنجيل الله ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 1 : 1 )
ونلاحظ في هذا النص أن تعبير ” المدعو رسولا “ تعني أن لفظ : ” رسول ” .. هو لفظ أو لقب اختاره بولس لنفسه ولا يعني أنه ” رسول ” بالمعنى الحرفي للكلمة مثل موسى ( عليه السلام ) . وربما الكلمة الإنجليزية apostle ) والتي تعني ” حواري ” وليس نبيا ـ كما تأتي في نسخة الملك جيمس الإنجليزية ـ هي كلمة أكثر دقة في وصف طبيعة بولس على أنه حواري وليس رسولا .
ويقول التفسير التطبيقي للكتاب المقدس ( ص : 2373 ) عن معنى هذه الفقرة :
[ عندما آمن بولس ، اليهودي المتعصب الذي كان يضطهد المسيحيين ، استخدمه الله لنشر الإنجيل في كل العالم .. ] ( انتهى )
وهكذا ؛ لم تكن لبولس أي رسالة خاصة .. بل تركزت كل مهمته ( وفي حدود فهمه ) على التبشير أو نشر الإنجيل كما يفهمه .. كما يقول هو بهذا أيضا ..
[ (19) بقوّة آيات وعجائب ، بقوة روح الله . حتى إني من أورشليم وما حولها إلى الليريكون ( مقاطعة إليريكون ) قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح . ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 15 : 19 )
ويتأكد هذا المعنى أيضا في النص التالي ..
[ (16) أقول أيضا لا يظن أحد أنى غبي . وإلا فاقبلوني ولو كغبي لافتخر أنا أيضا قليلا . (17) الذي أتكلم به لست أتكلم به بحسب الرب بل كأنه في غباوة في جسارة الافتخار هذه ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 16 – 17 )
وكما نرى ؛ هو نص يقطع بأن بولس Paul ) .. ليس رسولا أو نبيـا بل يحاول دخول منتدى الأنبياء .. بدون وحي ..!!! فبولس يعترف صراحة بأن .. [ .. الذي أتكلم به لست أتكلم به بحسب الرب بل كأنه غباوة .. ] .. أي أن كلامه ليس وحيا .. بل مجرد ” غباوة ” منه وله الحق في أن يفتخر بهذه الغباوة .. كما في الترجمة الحديثة لنفس هذا النص ..
[ (16) أقول مرة أخرى : لا يظن أحد أنى غبي وإلا ، فاقبلوني ولو كغبي . كي أفتخر أنا أيضا قليلا . ]
( الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 16 )
ويحاول بولس أن يرفع من شأن نفسه .. بادعائه بأنه ليس أقل من الرسل المتميزين في شيء على الرغم من أنه لا قيمة له .. وعلى الرغم من غبائه الذي يفتخر به صراحة ..
[ (11) قد صرت غبيا وأنا افتخر . أنتم ألزمتموني لأنه كان ينبغي أن أُمدح منكم إذ لم انقص شيئا عن فائقي الرسل وإن كنت لست شيئا . ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 12 : 11 )
وربما الترجمة الحديثة لهذا النص أكثر وضوحا لهذا المعنى ..
[ (11) ها قد صرت غبيا ! ولكن أنتم أجبرتموني ! فقد كان يجب أن تمدحوني أنتم ، لأني لست متخلفا في شيء عن أولئك الرسل المتفوقين ، وإن كنت لا شيء ]
( الكتاب المقدس ـ كتاب الحياة : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 12 : 11 )
فكما نرى ؛ أن بولس يعترف بغبائه صراحة .. ومع ذلك يحـاول كسب إطـراء ومديح الناس [ .. فقد كان يجب أن تمدحوني .. ] . ويرى ـ وفي حدود فهمه القاصر ـ أنه لا يقل عن الرسل في شيء ..!!! وليس هذا فحسب .. بل يتكلم ـ بولس ـ أحيانا كمختل العقل عندما يحاول أن يبين أنه أهم وأفضل خدام المسيح .. لأنه احتمل الكثير ..
[ (22) أهم عبرانيون فأنا أيضا . أهم إسرائيليون فأنا أيضا . أهم نسل إبراهيم فأنا أيضا (23) أهم خدام المسيح . أقول كمختل العقل . فأنا أفضل . في الأتعاب أكثر . في الضربات أوفر . في السجون أكثر . في الميتات مرارا كثيرة .]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 23 )
ولا يصح القول أن بولس اضطر إلى أن يقول هذا لأن الناس تشككت في رسالته كما يقول قداسة البابا شنودة الثالث [7] ..!!! ففي جميع الأحوال لا يصح للرسول أن يتكلم كمختل العقل .. فكيف تثق الناس في من يتكلم كمختل العقل ..؟!!!
وكان بولس يرى أنه ليس متخلفا ـ في أي شيء ـ عن الرسل المتفوقين أو المتميزين على الرغم من تصريحه بأنه غبي ولا يساوي شيئا ..!!! بل ومازال ـ بولس ـ يعتقد في هذا .. على الرغم من عاميته في الكلام ..
[ (5) لأني أحسب أني لم انقص شيئا عن فائقي الرسل ( الرسل المتفوقين ) . (6) وإن كنت عاميا في الكلام فلست في العلم بل نحن في كل شيء ظاهرون لكم بين الجميع . ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 5 )
ويسعى بولس إلى كسب الناس بأي ثمن .. حتى وإن تنازل عن مسيحيته حين يقول ..
[ (19) فإني إذ كنت حرا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين ( أي : لكي أربح أكبر عدد منهم ) . (20) فصرت لليهود كيهودي لأربح اليهود . وللذين تحت الناموس ( الشريعة ) كأني تحت الناموس لأربح الذين تحت الناموس (21) وللذين بلا ناموس ( أي : بلا شريعة )كأني بلا ناموس ( أي : بلا شريعة ) . مع أني لست بلا ناموس الله بل تحت ناموس للمسيح لأربح الذين بلا ناموس . ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 9 : 19 – 21 )
وهو نص يعكس فلسفة بولس بصفة عامة .. فهو يتلون بأي لون .. وبأي ديانة في سبيل كسب إعجاب النـاس وإطرائهم ( وللذين بلا ناموس أي بلا شريعة .. كأني بلا ناموس أي بلا شريعة ) فهو يريد أن يربح الجميع بأي ثمن .. حتى وإن اعتنق الوثنية ..!!!
وبديهي ؛ مثل هذا الفكر لا يمكن أن يكون وحيا بأي حال من الأحوال . فالوحي الإلهي الصادق ( العهد الحديث ) يجب أن يكون مستقلا عن قبول ورفض الناس للرسول . فما على الرسول إلا البلاغ بالدين الحق فحسب سواء قبل به الآخرون أم رفضوه .. فلا يحق للرسول أن يتلون مع الجماعات وإلا فقد الدين ( أو البلاغ الإلهي ) مغزاه .. وهذا هو القول الإلهي الفصل للرسول الكريم ..
{ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57}
( القرآن المجيد : هود (11) : 57 )
أي فإن تولوا .. أي إن أعرضوا عن الرسول ( أي رسول أو نبي ) .. فيقول لهم : لقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم . فإن أخذتم به فهو حظكم .. وإن تركتوه فسوف يستخلف الله ( U ) قوما غيركم يأخذوا به .. ولا تضرونه شيئا بتركم له . وتتوالى الآيات في القرآن المجيد ( العهد الحديث ) لتبين أن عند إعراض الناس عن الرسول .. فليس له دور سوى البلاغ ..
{ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (82}
( القرآن المجيد : النحل (16) : 82 )
ويتناهى الفكر الرياضي والإحكام الصياغي .. لهذه المعاني .. في قوله تعالى ..
فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) قَالَ رَبِّ احْكُم بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112) }
( القرآن المجيد : الأنبياء (21) : 109 – 112 )
{ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء .. } .. أي إن أعرضوا عنك فقل لهم سنفترق ـ الآن ـ بعد أن تساوينا في معرفة الحق .. ليحملوا أوزارهم كاملة . وأرجو من رجال الدين المسيحي مقارنة هذه الصياغة .. بالصياغة الهابطة التي قال بها بولس الرسول .. الغبي .. المتلون .. المنافق .. الذي يتكلم كمختل العقل .. على حد تعبيره ووصفه لنفسه ..!!! وترد كلمة ” تولوا “ في القرآن المجيد 33 مرة .. لتحمل من المعاني .. ما تجعلنا نخر سجدا وبكيا لله ( سبحانه وتعالى ) .. لا نوفيه حق جلاله ..!!!
إذن ؛ فرسالة الرسول تنحصر في تنفيذ الأوامر الإلهية فحسب وعليه تنفيذها بخشوع يصل إلى حد زلزلة النفس والجسد معا .. كما جاء في قول الله تعالى لرسوله الكريم ..
فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) }
( القرآن المجيد : الحجر (15) : 94 )
وهو أمر يزلزل كيان الرسول وتابعيه .. ويعجز الفكر واللسان عن شرح معناه .. { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ .. } حيث لا يمكن فهم هذا المعنى .. إلا بربطه بقوله تعالى عند وصف تأثير نزول القرآن المجيد على الجبال ..
{ لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (94) }
( القرآن المجيد : الحجر (15) : 94 )
واترك لرجال الدين المسيحي التأمل و {.. لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } في هذه المعاني ..!!!
والسؤال الآن ؛ هل كان محمد ( صلى الله عليه وسلم ) يسعى لمجد شخصي أو كسب الآخرين .. كما كان بولس يسعى لذلك ..؟!!! فها هو قول الحق تبارك وتعالى له في قرآنه المجيد ( العهد الحديث ) ..
{ قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47) }
( القرآن المجيد : سبأ (34) : 47 )
فكما نرى أن أجر الرسول هو على الله ( سبحانه وتعالى ) .. أما الفرد الذي آمن فأجره لنفسه .. فهو المستفيد الأول والأخير من إيمانه بنيله الخلاص المأمول .. بتحقيق الغايات من خلقه والذي يتلخص في : الإيمان المبني على العقل .. أي ” الإيمان العاقل ” .. والعمل بالشريعة ( أي ضرورة القيام بالأعمال الصالحة ) . والعمل بالشريعة ليس بدعا .. بل هي أوامر وأحكام الله ( سبحانه وتعالى ) الواجب اتبـاعها لكل من يؤمن به .. على طول رسالاته . فهذا قوله تعالى لموسى ( عليه السلام ) ..
[ (16) هذا اليوم قد أمرك الرب إلهك أن تعمل بهذه الفرائض والأحكام ( الشريعة ) فاحفظ واعمل بها من كل قلبك ومن كل نفسك ]
( الكتاب المقدس : تثنية 26 : 16 )
ونعود مرة أخرى .. إلى بولس الرسول ( أو بولس الحواري ) فنجده يحاول ـ كذلك ـ نفي تهمة الكذب عن نفسه في رسائله المختلفة ..
[ (31) الله أبو ربنا يسوع المسيح الذي هو مبارك إلى الأبد يعلم أنى لست أكذب . ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 31 )
[ (20) والذي اكتب به إليكم هو ذا قدّام الله أنى لست أكذب فيه . ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية 1 : 20 )
[ (7) .. الحق أقول في المسيح ولا أكذب . معلّما للأمم في الإيمان والحق ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل تيموثاوس 2 : 7 )
وهكذا ؛ يتوالى دفاع بولس ( الرسول ) عن نفسه على طول رسائله .. بأنه لا يكذب ..!!! تماما ؛ كما كان دائم الدفاع عن غبائه على النحو الذي رأيناه في النصوص السابقة ..!!! كما كان بولس يطلب دائما من الناس احتمال غبائه ..
[ (1) ليتكم تحتملون غباوتي قليلا . بل أنتم محتملي ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 1 )
وليس أدل على أن الرسالة من منظور بولس هي مجرد تنافس ومزاحمة في تفسير النصوص مع آخرين .. من النص التالي ..
[ (12) ولكن ما أفعله سأفعله لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة كي يوجَدوا كما نحن أيضا في ما يفتخرون به (13) لأن مثل هؤلاء هم رسل كذبة فعلة ماكرون مغيرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 11 : 12 – 13 )
ولهذا يرمي بولس ـ دائما ـ الآخرين بالكذب .. وبأنهم رسل كذبة .. والغرض النهائي من هذا كله ـ من وجهة نظره ـ هو التفاخر .. وتحقيق الذات ( Self actualization ) بالمفهوم العصري ..!!! وهكذا ؛ لم تكن الرسالة من منظور بولس سوى صراع فكري مع الآخرين لتحقيق ذاته .. [ .. ما أفعله سأفعله لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة كي يوجَدوا كما نحن أيضا في ما يفتخرون به ] .
فهذا هو بولس الحواري ( وليس الرسول ) في عجالة سريعة .. الرجل الذي شكل العقيدة المسيحية التي نراها الآن .. وهذا هو وصفه لنفسه ولصفاته [8] . والآن ؛ هل يوجد رسول يقول لقومه : ها قد صرت غبيا .. وأنتم أجبرتموني على هذا الغباء ..؟!!! وليتكم تحتملون غباوتي ..!!! وإني أتكلم كمختل العقل ..!!! كما كان يحاول أن يبين بأنه لا يقل عن الرسل في شيء .. [ لست متخلفا في شيء عن أولئك الرسل المتفوقين ] حتى وإن كان لا قيمة له .. [ وإن كنت لا شيء ] .. أي أن الرسل لا قيمة لهم ..!!! كما كان يدافع عن نفسه دائما وبأنه لا يكذب [ .. أنى لست أكذب ] .
كما كان يسعى إلى كسب المجد الشخصي .. [ .. فقد كان يجب أن تمدحوني ] .. ويتلون في نفاق الناس لكسبهم .. إلى حد التظاهر بالوثنية ( وللذين بلا ناموس .. أي بلا شريعة كأني بلا ناموس .. أي بلا شريعة ) .. أي هو يريد أن يربح الناس بأي ثمن إلى حد التظاهر بأنه وثني .. وكافر .. وبلا شريعة ..!!! فهـل يمكن أن تكون هذه شخصية رسول ..؟!!! سبحان الله ..
{ .. أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (78) }
( القرآن المجيد : هود (11) : 78 )
[ رشيد : عاقل .. ]
ومـاذا يوجد في المقابل في الدين الإسلامي ..؟ ففي الوحي الإلهي الصادق ( العهد الحديث ) يصف المولى ( سبحانه وتعالى ) .. رسالة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ..
{ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) }
( القرآن المجيد : النجم {53} : 3 – 5 )
وأرجو من رجال الدين المسيحي إعادة قراءة هذه الآيات الكريمة عدة مرات حتى يمكنهم إدراك معناها .. وهل تنبه رجال الدين المسيحي إلى أن الرسول يجب أن : لا ينطق عن الهوى .. إن هو إلا وحي يوحى .. وأن الدين علم : { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } .. وليس خرافات وأساطير وجهل وغباء .. وسعي لتحقيق الذات ..!!!
وبالمناسبة .. لم ترد ذكر كلمة ” وحي “ في رسائل بولس إلا مرة واحدة ( رومية 11 : 4 ) وهو يتكلم عن ” إيليا النبي ” .. وليس عن نفسه . فهل تنبه إلى هذا المخدوعون ..؟!!!
فالرسول يجب أن يقوده الوحي الإلهي الصادق في كل ما ينطق به .. كما جاء في قوله تعالى عن رسالة محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ..
{ .. إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ (50) }
( القرآن المجيد : الأنعام {6} : 50 )
أود أن يقرأها المخدوعون عدة مرات حتى ينتبهوا لحقيقة ما يؤمنوا به .. وحقيقة الوحي الإلهي الصادق . فالقضية الدينية ـ إذن ـ هي قضية علمية يجب أن يسودها العقل والمنطق .. وليست قضية يسودها الجهل والغباء : ) .. أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ } ..!!!

وقفة عقلانية ..
كما رأينا ـ من الفقرات السابقة ـ أن بولس لم يكن سوى أحد الذين بشروا بالإنجيل .. أي إنه كان واحدا من المفسرين الأوائل للإنجيل ( أو للأناجيل ) فحسب .واعترف هو بذلك صراحة كما اعترف بأنه لم يكن يتكلم عن وحي جاء إليه من السماء .. بل كان يتكلم عن ثقافة شخصية يدين بها لثقافة عصره ( وبغض النظر عن غبائه باعترافه الشخصي ) ..!! والمعروف ـ الآن ـ أن بولس كتب أربعة عشر رسالة ( هذا بفرض أنه كاتب الرسالـة إلى العبرانيين ) وقد تم ضمها جميعا إلى الكتاب المقدس واتخذت هذه الرسائل فيما بعد ـ من خلال قرارات المجامع المسكونية ـ الأساس الكامل لتشكيل الديانة المسيحية بشكلها الحالي . فبولس هو الذي قرر ألوهية المسيح .. وهو الذي قال ببنوة المسيح الحقيقية ( التثليث ) .. وهو الذي قال بالخطيئة الأصلية .. وهو الذي قال بالإيمان في الفداء والصليب .. إلى آخره . وهكذا ؛ نسبت الديانة المسيحية نفسها إلى بولس وليس إلى المسيح ..!!!
والسؤال الآن :
أولا : كيف ساغ لرجال الدين المسيحي القيام بضم تفاسير بولس ( أي رسائل بولس ) إلى الأناجيل ( هذا بغض النظر عن صحتها ) .. واعتبار هذه التفاسير ( أي الرسائل ) جزءا أصيلا ومكملا أو متمما للديانة المسيحية نفسها ..؟!!!
ثانيا : كيف ساغ لرجال الدين المسيحي اعتبار رؤية بولس للمسيحية هي الرؤية الوحيدة والصحيحة للديانة المسيحية .. وفرضها على الجميع بالقوة ( وهي الرؤية التي شكلت الديانة المسيحية فيما بعد ) . بل وحرمت هذه الرؤية الآخرين من رؤية المسيح على حقيقته [9] ..؟!!!
ثالثا : هل صدقت رؤية بولس في فهم وتفسير الديانة المسيحية ..؟!!! وهو ما تم الإجابة عليه في كتابات الكاتب السابقة ؛ والتي انتهت إلى نقل المسيحية من حيز العقل إلى حيز الأسطورة والخرافة ..!!!
ونلاحظ هنا ؛ لو قام رجال الدين الإسلامي باتباع نفس هذا المنهاج .. للزم أن يقوموا بإضافة التفاسير الأولى للقرآن المجيد ( مثل : تفسير الطبري .. والقرطبي .. وابن كثير .. إلخ ) إلى القرآن المجيد نفسه .. وهو ما يعني اختلاط النص الإلهي أو الوحي الإلهي بالنصوص البشرية . ولكن هذا لم يحدث في الدين الإسلامي . بل حتى السنة النبوية الشريفة ( أي كل ما صدر عن الرسول r من قول أو فعل أو تقرير ) لم تضاف إلى نصوص القرآن المجيد .. بل صنفت بشكل مستقل عنه وخضعت للتدقيق والبحث والتمحيص .. كما تم تصنيف الأحاديث من حيث الدقة والتواتر من قِـبَـل العلماء ورجال الدين الإسلامي .
وعموما هذا ليس بمستغرب على الفكر المسيحي .. لأن الأناجيل نفسها قد كتبت بلا وحي من السماء ( حيث لم ترد ذكر كلمة ” وحي ” في الأناجيل الأربعة على الإطلاق لتعبر عن كتابة هذه الأناجيل ) [10] . بل كتبت هذه الأناجيل كقصص تعبر عن رؤية كاتبيها للأحداث الجارية في فترة حياة المسيح .. حيث نرى هذا بوضوح في رسالة لوقا كاتب ( إنجيل لوقا ) . فإنجيل لوقا لم يخرج عن كونه رسالة كتبها ” لوقا ” إلى شخص يدعى ثاوفيلس ( لم يذكر التفسير التطبيقي صلته بلوقا ) ليقص عليه الأحداث التي رآها في تلك الفترة .. كما جاء ذلك في افتتاحية إنجيله الذي يقول فيه ..
[ (1) إذ كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المتيقنة عندنا (2) كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة (3) رأيت أنا أيضا إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن اكتب على التوالي إليك أيها العزيز ( أو صاحب السمو ) ثاوفيلس (4) لتعرف صحة الكلام الذي علّمت به (5) كان في أيام هيرودس ملك اليهودية كاهن اسمه زكريا .. ]
( الكتاب المقدس : إنجيل لوقا {1} : 1-5 )
أي أن إنجيل لوقا ( الإنجيل الثالث من الكتاب المقدس ) .. هو بمثابة ” قصة ” ( عن رواية لوقا ) عن الأحداث التي وقعت في هذه الفترة من حياة السيد المسيح ..!! وهكذا ؛ كان تدوين باقي الأناجيل ـ عن رواية متى .. وعن رواية مرقص .. وعن رواية يوحنا ـ أي كتابة قصة الأحداث التي تمت في هذه الفترة من حياة السيد المسيح عن رواية الكاتب نفسه ورؤيته ومدى فهمه واستيعابه للأحداث فحسب وبدون وحي .. حيث لم ترد ذكر كلمة ” وحي ” على نحو قطعي في الأناجيل الأربعة إلا على النحو السابق ذكره في الهامش العاشر . والمعروف أن الأناجيل دونت ما بين عام 70 وعام 115 .. وأن لا أحد من كتّاب الأناجيل عرف يسوع المسيح أو استمع إلى حديثه . كما كتبت هذه الأناجيل باللغة اليونانية بينما كان يسوع يتكلم الآرامية . وهذه فروق جوهرية في كتابة الأناجيل وتدوين القرآن المجيد .
وفي المقابل ؛ إذا جئنا إلى موضوع الوحي في الفكر القرآني ( العهد الحديث ) .. فنجد أن ” الوحي ” في غاية من الوضوح .. لا لبث فيه ولا غموض . فالمولى ( سبحانه وتعالى ) يقول لرسوله الكريم ..
{ وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (50) }
( القرآن المجيد : الأحزاب {33} : 2 )
والوحي ليس بجديد في الفكر الديني .. بل هو سمة العلاقة بين المولى ( سبحانه وتعالى ) والرسل .. على مدار العلاقة بين السماء والأرض . ولهذا يأتي قوله تعالى لمحمد ( صلى الله عليه وسلم ) ليقول للبشرية ..
{ قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (9) }
( القرآن المجيد : الأحقاف {46} : 9 )
كما تتناهى معاني الرسالة والرسول في قوله تعالى ..
{ وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) }
( القرآن المجيد : الإسراء {17} : 105 )
ونكتفي بهذا القدر ..

علم بولس الرسول ..
وفي هذه الفقرة سوف نعرض لعلم بولس نفسه . فنجد أن بولس يعترف صراحة بأنه يدين بعلمه للجهلاء .. كما يدين للحكماء أيضا .. ولفلاسفة اليونان ..
[ (14) إني مديون لليونانيين والبرابرة للحكماء والجهلاء . ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 1 : 14 )
أي أن رسالته ـ كما نرى من هذا النص ـ هي خليط من الثقافات .. ونوع من الفوضى الكتابية والفكرية . ويتناقض بولس ـ في هذا ـ مع ” إله المسيحية ”[11] الذي يرفض حكمة الحكماء .. وفهم الفهماء ..!!!
[ (19) لأنه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء . (20) أين الحكيم . أين الكاتب . أين مباحث هذا الدهر . ألم يجهّل الله حكمة هذا العالم . ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1 : 19 – 20 )
فكما نرى ؛ أن بولس يقبل بالحكمة والجهل معا .. بينما إلهه .. ” إله المسيحية ” يرفض الحكمة .. ولا يقبل إلا بالجهل ..!!! فـ ” إله المسيحية ” .. لم يرى في حكمة هذا العالم سوى الجهل .. حيث يبين لنا بولس أن هذا الإله لا يقع اختياره إلا على الجهلة فقط .. بل ويفضلهم على أهل الحكمة ..
[(27) بل اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء . واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1 : 27 )
وبديهي ؛ إذا اعتبر بولس نفسه من اختيار الرب فهو جاهل ـ على حسب هذا النص ـ وليس من الحكماء ..!!! ويلخص لنا بولس الرسول أن : ” فكرة الفداء والصلب “ ـ أي محور الديانة المسيحية ـ لا يمكن أن تسود إلا في غياب العقل والحكمة .. وغياب الفهم .. بل وتصلح مع الجهلة فقط ..
[ (18) فإن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلّصين فهي قوة الله . (19) لأنه مكتوب سأبيد حكمة الحكماء وأرفض فهم الفهماء . (20) أين الحكيم . أين الكاتب . أين مباحث هذا الدهر . ألم يجهّل الله حكمة هذا العالم . ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1 : 18 – 20 )
ويبين لنا ” بولس ” .. أن ” إله المسيحية ” يرى طريق الجهل والحماقة .. هو الطريق الأمثل لمعرفته ..
[ (21) لأنه إذ كان العالم في حكمة الله لم يعرف الله بالحكمة استحسن الله أن يخلّص المؤمنين بجهالة الكرازة (أي بحماقة البشارة : by the foolishness of preaching)]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1 : 21 )
أي أن الخالق قد استحسن أن يكون الطريق إليه .. هو ” طريق الجهل والحماقة “ ..!!! ولهذا يقدس بولس الجهل .. ويرفعه فوق الحكمة ..
[ (18) لا يخدعنّ أحد نفسه . إن كان أحد يظن أنه حكيم بينكم في هذا الدهر فليصر جاهلا لكي يصير حكيما . (19) لأن حكمة هذا العالم هي جهالة عند الله لأنه مكتوب الآخذ الحكماء بمكرهم . (20) وأيضا الرب يعلم أفكار الحكماء أنها باطلة . ]
( الكتاب المقدس : رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 3 : 18 – 20 )
فهذا هو فكر ” إله المسيحية ” عن الحكمة والحكماء .. فهو يرى أن أفكار الحكماء باطلة ..!!!
وماذا في المقابل .. في الوحي الإلهي الصادق ( العهد الحديث ) .. يأتي ذكر ” الحكمة ” مقترنة بمفهوم العلم والوحي .. كما في قوله تعالى ..
{ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (151) }
( القرآن المجيد : البقرة {2} : 151 )
وتقترن الحكمة ـ دائما ـ في الفكر الإسلامي .. بالخير ( وبكل الخير ) للإنسان .. وأنها هبة وعطاء من الله ( سبحانه وتعالى ) ..
{ يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (269) }
( القرآن المجيد : البقرة {2} : 269 )
[ أولوا الألباب : أصحاب العقول ]
وهذا ذكره ( سبحانه وتعالى ) .. عن عيسى ابن مريم ( عليه السلام ) .. ورسالته ..
{ وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (48) }
( القرآن المجيد : آل عمران {3} : 48 )
فهذا هو بولس ( الرسول ) ـ مؤسس الديانة المسيحية ـ الذي يقول [ .. الذي أتكلم به لست أتكلم به بحسب الرب بل كأنه غباوة .. ] .. أي هذا الكلام ليس وحيا ..!!! وهو الذي يتكلم [ .. كمختل العقل ] .. وهو الذي يدافع عن كذبه .. ويدافع عن ” غبائه ” ويرفض العلم في كل فقرة في خطابه ( المقدس ) .. وهو الذي يرفع الجهل فوق الحكمة .. بل ويطالب الشعوب المسيحية بضرورة الجهل .. حتى يكونوا حكماء ..!!! وأن عقيدة التثليث لا تتم إلا بالجهل والحماقة ..!!! وبعد كل هذا يدرجون ” بولس ” ضمن الأنبياء الصادقين .. ويدرجون محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) الذي جاء بكل الحق .. وبكل العلم .. وبكل المنطق .. ضمن قائمة الأنبياء الكذبة ..!!! ليصفهم الحق ـ تبارك وتعالى ـ في قرآنه المجيد بقوله تعالى ..
{ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44) }
( القرآن المجيد : الفرقان {25} : 43 – 44 )
أي هم أضل من الماشية ..!!! وهم بذلك ليسوا بدعة .. فقد سبقهم في ذلك ثمود ـ قوم صالح u ـ الذين استحبوا العمى على الهدى .. ليأتي قوله تعالى فيهم ..
{ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18) }
( القرآن المجيد : فصلت {41} : 17 – 18 )

****************
هوامش المقالة :
[1] مسح يمسح مسحة : المسح في الكتاب المقدس يعني صب الزيت أو الدهن على الشيء لتكريسه لخدمة الرب بصفة عامة .. سواء كان هذا في الكنائس أو المعابد أو غيرها . وبهذا المعنى يصبح المسحاء الكذبة هم المفكرون أو المنشقون من أهل العقيدة على العقيدة نفسها .. وليس بالضرورة أن يكونوا أنبياء . وبهذا المعنى يندرج الداعية الإسلامي السابق دراسته ” إبراهيم خليل أحمد ” ( راعي الكنيسة الإنجيلية وأستاذ اللاهوت بكلية اللاهوت بأسيوط سابقا ) تحت هذا المسمى .. أي يعتبر من المسحاء الكذبة .
[2] ” هل يملك المسيح على الأرض ” ؛ الدكتور القس إكرام لمعي . دار الثقافة . ( ص : 59 ) .
[3] عن .. ” تجديد الخطاب الديني .. وأسئلته .. وإجاباتها ” . مقالة .. بجريدة الأهرام في عددها رقم 42095 الصادر في : 8 / 3 / 2002 .
[4] للرؤية التفصيلية لهذه المعاني يمكن الرجوع إلى مرجع الكاتب السابق : ” الحقيقة المطلقة .. الله والدين والإنسان ” ؛ مكتبة وهبة . وأنظر أيضا الكتاب الأول من هذه السلسلة : ” الإنسان والدين .. ولهذا هم يرفضون الحوار ” ، لرؤية جانب من هذا المعنى .
[5] لشروط الاستشهاد بالكتاب المقدس .. يمكن للقارئ الرجوع إلى مرجع الكاتب السابق : ” بنو إسرائيل .. من التاريخ القديم وحتى الوقت الحاضر ” ؛ مكتبة وهبة .
[6] طرسوس : هي أحد المدن الهامة في منطقة ” كيليكية : Cilicia ” ( آسيا الصغرى قديما / تركيا ) .. والتي نشأت فيها ” كنيسة إنطاكية ” فيما بعد . وتقع مدينة طرسوس في جنوب تركيا بالقرب من البحر الأبيض المتوسط . ويبلغ عدد سكانها على حسب تعداد 1990 ( 508 , 187 ) نسمة .
[7] ” سنوات مع أسئلة الناس ” ؛ البابا شنوده الثالث . الجزء السابع . الطبعة الأولى . ص : 31 / 32 .
[8] من الناحية التاريخية يوجد من يبرهن على أن بولس كان حاخاما يهوديا اعتنق النصرانية لإبادتها من الداخل فيما لم يستطع تحقيقه بالقوة .. مستندين في هذا إلى النص التالي : [ (26) ولما جاء شاول ( بولس ) إلى أورشليم حاول أن يلتصق بالتلاميذ . وكان الجميع يخافونه غير مصدقين أنه تلميذ ] ( أعمال الرسل 9 : 26 ) .
[9] عند انعقاد مجمع نيقية المسكوني الأول ( عام 325 م. ) كان يوجد معسكرين دينيين . المعسكر الأول بزعامة الأسقف ” آريوس ” الذي نادى بأن يسوع ( أي عيسى عليه السلام ) مخلوق ، وليس هو ” الإله ” أو ” ابن الإله ” . والمعسكر الثاني بزعامة الشماس ” أثناسيوس ” الذي نادى بأن يسوع هو ” الإله المتجسد ” الذي صار خلاصا للعالم . وقد وجد الإمبراطور : ” قسطنطين ” ( الكاهن الأعظم للإمبراطورية في ذاك الوقت ) أن دعوة ” أثناسيوس ” تتفق مع عقيدته ( الديانة الميثراسية ) .. فقتل آريوس وطارد أتباعه وشردهم .. كما أمر مجمع صور الإقليمي ( عام 333 م. ) بحرق جميع كتب آريوس .. كما اعتبر إخفاء أي كتاب منها جريمة يعاقب عليها بالإعدام . وهكذا ؛ شكلت رؤية بولس المنفردة ألوهية المسيح .. والعقيدة المسيحية بأسرها .
للتفاصيل أنظر : ” الحقيقة المطلقة .. الله والدين والإنسان / بند : المجامع الكنسية ” ، نفس المؤلف . مكتبة وهبة .
[10] ولكن وردت كلمة ” أوحي ” ثلاث مرات فقط في الأناجيل الأربعة . مرتان في إنجيل متى ( 2 : 12 و / 2 : 22 ) للإشارة إلى الوحي إلى المجوس .. وإلى يوسف النجار زوج مريم العذراء . ومرة واحدة في إنجيل لوقا للإشارة إلى الوحي الذي حدث لرجل اسمه سمعان : [ (26) وكان قد أوحي إليه ( أي إلى سمعان ) بالروح القدس أنه لا يرى الموت قبل أن يرى مسيح الرب ] ( لوقا 2 : 26 ) .
[11] كما سبق وأن ذكرت .. فإني أحاول دائما ـ وقدر المستطاع ـ أن لا أزج بلفظ الجلالة ” الله ” .. في مثل هذه الوثنيات الفكرية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق